التدين فريضة علي كل مكلف رجلا كان أو امرأة،‏ ويعني صحة العقيدة وسلامة العبادة فالمسلم أيا كان مطالب شرعا بقدر من العلم ـ وهو الدليل الإجمالي ـ علي عقيدته في التوحيد والنبوة واليوم الآخر،‏ ومعرفة بالأركان والسنن لكل عبادة،‏ بحيث لا يعتقد في ركن أنه سنة‏..‏وهذا القدر من العلم هو ما لا يسع المسلم جهله،‏ وهو فرض عين‏..‏
أما علم الدين أو فقه الدين فهو المعرفة التفصيلية بالعقائد والعبادات بأدلتها العقلية والشرعية،‏ والرد علي الشبهات،‏ وإقامة الحجة علي المخالفين‏..‏
وهذا الفقه في الدين هو الذي يجعل المسلم من أهل الذكر أو الراسخين في العلم أو أهل الاستنباط،‏ وهذا فرض كفاية إذا قام البعض به سقط الإثم عن الباقين‏..‏ قال تعالي‏:‏ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب‏(‏ آل عمران‏:7).‏
فالراسخون في العلم هم الذين يفهمون المحكم والمتشابه من النصوص الشرعية التي تفتح باب الحوار والمناقشة،‏ وتمنح العقل مجالا للاجتهاد‏..‏ قال جل شأنه‏:‏ وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون‏(‏ التوبة‏:122).‏
فليس كل المؤمنين مطالبين بفقه الدين وعلمه بل ذلك واجب العقلاء الذين لديهم جودة استنباط وحسن نظر وبراعة استدلال،‏ حتي لا تتعطل مصالح العباد في جوانب الحياة المختلفة‏,‏ فالمجتمع في حاجة إلي الأطباء والمهندسين والصيادلة والزراع والتجار‏..‏ كل يعمل فيما يحسنه ويتقنه‏..‏
وقال سبحانه‏:‏ وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون‏(‏ الأنبياء‏:7).‏ فمعرفة مسيرة الأنبياء وحقيقة الوحي وصدق الأنبياء وصفاتهم هي من اختصاص أهل الذكر الذين لهم بحث وخبرة وكفاءة في مجال دراسة الأديان‏.‏
ولعلماء العقيدة بحث تحت عنوان المعرفة والتقليد‏..‏ وأول واجب علي المكلف‏..‏ ومن النظم الذي قيل في ذلك قول صاحب الخريدة‏:‏
وواجب شرعا على المكلف      معرفة الله العلي فاعرف
أي يعرف الواجب والمحالا         مع جائز في حقه تعالى
ومثل ذا في حق رسل الله           عليهم تحيـة الإله
‏وهنا يجب أن نفرق بين طالب العلم والعالم،‏ فطالب العلم يبدأ الطريق علي أيدي العلماء بمناهج ومقررات دراسية،‏ ومراحل متعاقبة ينظمها قانون التعليم الذي أصبح سمة العصر‏،‏ وتخريج العلماء منحصر اليوم في دور التعليم الديني ممثلة في الأزهر الشريف والجامعات الإسلامية..
ولم يعد يكفي مجرد المصاحبة التي كانت سمة العصور الماضية،‏ لقد كانت الرحلة في طلب العلم وملازمة الشيوخ سنوات طوالا هي طريق العلم‏،‏ ولم يعد في عصرنا الحاضر ما يسمح بتلك الملازمة الكاملة أو الصحبة الدائمة‏.‏
ولم يعد كافيا قراءة كتب العلم علي انفراد‏، ومطالعة آراء العلماء بعيدا عن الحوار والمناقشة والتلمذة الرسمية‏..‏ وما كانت ظاهرة الدعاة الجدد إلا مظهرا من تلك المظاهر الباهتة التي حاول أصحابها بجهدهم الخاص فهم العلم ودراسته علي انفراد‏،‏ والخروج علي الناس بصفة العلماء..
وهم في حقيقة أمرهم يمثلون علاقة المقاول بالمهندس‏،‏ وعلاقة الممرض بالطبيب‏،‏ وعلاقة الجندي بالقائد،‏ فمهما يكن المقاول علي دراية بفن العمارة إلا أنه لن يعتمد مهندسا‏،‏ ومهما يكن الممرض علي دراية بطبيعة الأمراض وأدويتها فلن يعتمد طبيبا‏،‏ ومهما كان الجندي ذا مهارة متتالية أو فكر عسكري فلن يعتمد قائدا‏..‏
فهؤلاء الدارسون من منازلهم ولم يواصلوا السلم التعليمي الديني لا يحق لهم أن يمنحوا وصف العالم مهما يكن حفظهم للمتون أو فهمهم للأصول أو استيعابهم لعلوم الشريعة‏،‏ لأن هذه الحالة ستكون رمية من غير رام‏،‏ وفلتة لا تتكرر كثيرا‏،‏ فالظاهرة العقادية ـ نسبة إلي عباس محمود العقاد ـ شذوذ لا يقاس عليه‏..!!‏
ويذكرني ذلك بفقيه القرية ـ فيما مضي ـ الذي يتولي الإفتاء بين الناس قياسا علي ما سمعه من العالم الفلاني،‏ فقد يكون قياسه فاسدا‏,‏ وقد يكون فهمه خطأ‏،‏ وقد يكون نقله مظنونا فيه‏..‏
والدعاة الجدد ـ الذين لم يتخرجوا في دور العلم الشرعي ولم يدرسوا المناهج بمراحلها التعليمية ـ يمكن الاستعانة بهم في الرقائق والترغيب والترهيب بضوابط الشرع دون أن يكون له دور في الفتوي،‏ أو تقديم الأحكام‏،‏ وتصحيح المفاهيم التي تحتاج إلي دربة وخبرة وممارسة طويلة الأجل‏..‏ ويلحق بهؤلاء الدعاة الجدد‏،‏
النساء والرجال الذين تخرجوا في مراكز الثقافة التابعة لوزارة الأوقاف أو معاهد إعداد الدعاة التابعة للجمعيات الدينية‏،‏ فهؤلاء ثقافتهم محدودة وينبغي أن يقتصر دورهم علي تحفيظ القرآن الكريم إن استطاعوا إلي ذلك سبيلا‏،‏ وإمامة المصلين،‏ وأداء الخطبة أو الدرس الديني بضوابط معينة‏..‏
وهذا يدفعنا إلي أن نلاحق من لا ثقافة له أصلا،‏ وهم أدعياء التنوير الذين لا يعرف عنهم حرص علي الدين أو التزام بأحكام أو دعوة إلي تقوي الله عز وجل‏..‏ ويريدون أن يضعوا العلماء في قفص الاتهام ومتاهات الجدل الشيطاني‏،‏ فيخرجون علينا كل يوم بدعوي جديدة‏، لا يبتغون في إثارتها وجه الله عز وجل أو الحرص علي تطبيق أحكام الإسلام‏،‏ وإنما يريدون تحطيم عري الدين عروة عروة‏..‏
فيوما يطعنون في السنة‏،‏ ويوما يطعنون في الحدود الشرعية‏،‏ ويوما يرفضون أحكاما دينية‏،‏ ويوما يصدرون ن فتاوي جاهلية‏..‏ وهكذا وليعلم هؤلاء أن الكتابة الدينية لا يجوز أن تكون ترفا عقليا،‏ ولا يمكن اعتبارها فنا تكمل به الدائرة لدي الكاتب وكفي‏،‏ ولا تقبل أن تكون طعنا في الدين‏..‏
إن الكتابة الدينية ترجمة صادقة وأمينة لعقيدة الكاتب وسلوكه ومشاعره،‏ ومركز الدائرة فيها صفاء الفهم لكتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم مع الالتزام بضوابط الاجتهاد الشرعي وصولا إلي أن يعيش الناس بالحق في الاعتقاد،‏ والخير في السلوك‏
  التفقه في الدين   
الأستاذ الدكتور محمد المسير
رحمه الله
.